معلومات تاريخية تجدونها هنا


    الفنون في اليونان

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 36
    تاريخ التسجيل : 18/03/2010
    العمر : 23

    الفنون في اليونان

    مُساهمة  Admin في الجمعة مارس 19, 2010 2:05 am

    عند الحديث عن الفن في اليونان القديمة فاننا نكون قد وصلنا إلى أكمل ثمرة من ثمار الحضارة اليونانية ، ولكننا مع الأسف الشديد لا نجد من بقايا هذا النتاج العظيم إلا النزر اليسير. ذلك أن التدمير الذي عاناه الأدب اليوناني من جراء عدوان الزمان وتحكم ذوي العقول الضيقة الجاهلة ، وتغير الأنماط والأهواء العقلية ، لا يعد شيئاً مذكوراً إذا قيس إلى ما وقع على الفن اليوناني من تدمير. ولقد بقي لدينا من عصر الفنون الزاهر قطعة برونزية واحدة هي راكب العربة في دلفي ، وتمثال واحد من الرخام هو تمثال هرمس من صنع المثال بركستيليز ، أما الهياكل فلم يصل إلينا منها هيكل واحد - ولا هيكل الثسيوم نفسه - بالشكل أو باللون الذي كان عليه في بلاد اليونان القديمة. كذلك لم يكد يبقى لدينا شيء من النقوش اليونانية على المنسوجات ، أو الخشب ، أو العاج ، أو الفضة ، أو الذهب ، ذلك أن هذه المواد كانت أضعف أو أثمن من أن تنجو من أيدي الناهبين أو عبث الأيام. لذلك كان علينا أن نعيد تصوير هذه الفنون مستعينين على ذلك بما بقي لدينا من آثارها المحطمة القليلة.

    وكانت الأسباب التي أدت إلى نشأة الفن اليوناني هي الرغبة في تصوير الأجسام وتزيينها ، والنزعة البشرية في الديانة اليونانية ، والروح الرياضية ، والمثل العليا للرياضيين. ولما ارتقى اليوناني البدائي عن المرحلة التي اعتاد أن يضحي بها بالآدميين لكي يصبحوا الموتى ويقوموا على خدمتهم ، استبدل بهم التماثيل المنحوتة أو الصور كما فعل غيره من البدائيين. ووضع بعد ذلك صوراً لآبائه في بيته ، أو وضع في المعابد صوراً وتماثيل شبيهة به أو بمن يجب ، اعتقاداً منه أن هذه الصور والتماثيل ستتمكن بقوة سحرية من بسط حماية الإله ورعايته على من تمثله. لقد كان الدين المينوي ، والدين الميسيني ، وكانت طقوس اليونان الأرضية نفسها ، عبارات غامضة مبهمة غير شخصية ، وكان فيها أحياناً من الرهبة والسخف ما ينأى بها عن جمال التصوير ؛ ولكن الخصائص البشرية الصريحة التي كان يتصف بها آلهة أولمبس ، وحاجتها إلى مواطن وهياكل تقيم فيها على سطح الأرض ، كل هذه قد فتحت أمام اليونان آفاقاً واسعة للنحت والعمارة ولعشرات العشرات من الفنون المتصلة بهما. ولسنا نجد ديناً غير هذا الدين - مع جواز استثناء الديانة المسيحية الكاثوليكية - شجع الآداب والفنون ، وأثر فيهما ، كما شجعهما وأثر فيهما الدين اليوناني.

    ولا نكاد نجد فيما لدينا من آثار اليونان الأقدمين كتاباً ، أو مسرحية، أو تمثالاً ، أو بناء ، أو مزهرية لا يمت إلى الدين بصلة في موضوعه، أو غرضه ، أو الإلهام به. ولكن الإلهام وحده لم يكن ليرفع من شأن الفن اليوناني إلى الدرجة التي ارتفع إليها، فقد كان يحتاج إلى البراعة الفنية العالية التي تنشأ من الصلات الثقافية ، وإلى تطور الصناعات اليدوية وانتقالها من طور إلى طور. والحق أن الفن لم يكن عند الرجل اليوناني إلا نوعاً من الصناعة اليدوية، وارتقى الفنان من الصانع الماهر ارتقاءً طبيعياً تدريجياً حتى لم يكن اليونان يميزون أحدهما من الآخر تمييزاً دقيقاً. لقد كان الفنانون في حاجة إلى العلم بجسم الإنسان لأن نموه الصحي السليم هو الذي يكسبه تناسباً وتناسقاً وجمالاً؛ وكانوا في حاجة إلى حب للجمال عاطفي قوي جنسي يهون معه كل صعب إذا ما أدى إلى تخليد لحظة من لحظاته الحية ، وصورها في صورة تبقى على مر الزمان.

    وكانت نساء إسبارطة يضعن في حجرات نومهن صور اًبلو ، و نارسس ، و هياسنثس ، أو أي إله آخر وسيم حتى يلدن بذلك أطفالاً جمالاً. وأقام سبسلوس Cypselus مباراة في الجمال بين النساء من زمن بعيد يرجع إلى القرن السابع قبل الميلاد ، ويقول أثينيوس إن هذه المباراة الدورية استمرت إلى العهد المسيحي. ومن أقوال ثيوفراستوس Theophrastus في هذا المعنى "إن مباريات تقام" في بعض الأماكن "بين النساء في الخفر ، وحسن التدبير. كما تقام مباريات في الجمال ، كالمباريات التي تقام.. في تندوس ولسبوس".


    الموسيقى والرقص
    كان معنى لفظ Mousike عند اليونان أول الأمر هو الولاء لأية إلهة من إلهات الفن Muse. وكان مجمع أفلاطون العلمي Museion أي متحف Museum ، ومعناه مكان مخصص لربات الفن Muses وأوجه النشاط الثقافي الكثيرة التي تناصرها. وكان متحف الإسكندرية جامعة تجري فيها ضروب النشاط الأدبي والعلمي ولم تكن مكاناً تجمع فيها التحف. وكانت الموسيقى بمعناها الضيق الحديث منتشرة بين اليونان بقدر انتشارها بيننا في هذه الأيام إن لم تكن أكثر انتشاراً.

    وكان الأحرار جميعاً في أركاديا يواصلون دراسة الموسيقى إلى أن يبلغوا الثلاثين من عمرهم ، وكان كل واحد منهم يعرف استعمال آلة من الآلات ، وكان العجز عن الغناء يجلل العاجز العار. وقد سمي الشعر الغنائي بهذا الاسم في بلاد اليونان لأنه كان يقرض ليتغنى به على القيثارة اليونانية والصنج والناي ؛ وكان الشاعر عادة يقول الشعر ويلحنه ويغني أشعاره ؛ ولهذا كان قرض الشعر الغنائي في بلاد اليونان أصعب كثيراً من قرض الشعر لقراءته قراءة صامتة في عزلة كما يحدث في هذه الأيام. وقلما كان هناك أدب يوناني قبل القرن السادس الميلادي غير متصل بالموسيقى ، فقد كان التعليم والأدب والدين ، والحرب ، وثيقة الاتصال بالموسيقى ؛ وكان للنغمات الحربية شأن عظيم في التدريب العسكري ، وكان كل ما يحفظ أو جُلّه يلقن شعراً. وقبل أن يحل القرن الثامن قبل الميلاد كانت الموسيقى اليونانية قد أصبحت من الفنون القديمة وأصبح لها مئات الأنواع والأشكال.

    أما آلاتها فكانت بسيطة ، وكانت الأسس التي تقوم عليها هي بعينها الأسس التي تقوم عليها في هذه الأيام: القرع ، والنفح ، والأوتار. فأما القرع فلم تكن آلاتها واسعة الانتشار. وقد ظل الناي شائع الاستعمال في أثينا حتى سخر السبيديس من خدي معلمه المنفوخين وأبى أن يستخدم هذه الآلة السمجة ، وتزعم حركة مقاومتها بين شباب اليونان . (هذا إلى أن البؤوتيين ، كما يزعم الأثينيون كانوا أبرع منهم في استخدام الناي ، ولهذا كانوا يعدون هذا الفن من الفنون المرذولة. وكان الناي البسيط قصبة من الغاب ، أو الخشب المثقوب ، ذات مبسم منفصل عنها ، ومثقوبة بثقوب لأصابع يتراوح عددها بين اثنين وسبعة ، يمكن أن توضع فيها غمازات تعدل درجة الصوت.

    وكان بعض الموسيقيين يستخدمون الناي المزدوج- ويتكون من ناي (ذكر) أو غليظ النغمة في اليد اليمنى وناي (أنثى) أو رفيع النغمة في اليسرى ، يرتبط كلاهما بالفم برباط حول الخدين ، وينفخ فيهما معا في توافق بسيط. ثم أوصل اليونان الناي بكيس قابل للتمدد فأوجدوا بذلك موسيقى القرب ؛ وجمعوا عدداً منها وكونوا منها ما يعرف بأنبوبة بان ؛ ثم أطالوا طرف الناي وسدوا ثقوب الأصابع فكان البوق. ويقول بوزنياس إن موسيقى الناي كانت في العادة مقبضة ، وكانت تستخدم على الدوام في ترانيم الدفن والمراثي ؛ ولكننا لا نظن أن الأولترداي Auletredai او الفتيات اليونانيات السامرات النافخات في الناي كن مبعث الكآبة والانقباض.

    أما الآلات الوترية فكان العزف عليها مقصوراً على شد الأوتار بالأصابع أو المنقر ولم يكن العازف ينحني في أثناء العزف. وكان ثمة أنواع مختلفة من القيثارات صغيرة وكبيرة ولكنها كانت في جوهرها شيئاً واحداً فكانت كلها تتكون من أربعة أوتار أو خمسة مصنوعة من أمعاء الضأن ومشدودة على قنطرة فوق جسم رنان من المعدن أو صدفة سلحفاة وكانت القيثارة صنجاً (كنجاً) صغيراً يستخدم أثناء غناء الشعر القصصي ، وكانت القيثارة اليونانية الصغيرة تستخدم مع الشعر الغنائي والأغاني بوجه عام .


    .ويروي اليونان قصصاً عجيبة عن كيفية إختراع الإلهة هرمس ، وأبلو ، وأثينة ، لهذه الآلات ، وكيف تحدى أبلو بقيثارته أبواق مارسياس (وهو كاهن الإلهة الفريجية سيبيل) ونايه وغلبه- بطريقة غير شريفة في ظن مارسياس- بأن أضاف صوته إلى صوت الآلة ، وختم المباراة بأن أمر بسلخ جلد مارسياس حياً ؛ وعلى هذا النحو تمثل الأساطير غلبة القيثارة على الناي. وثمة قصص أظرف من هذه القصة تحدث عن الموسيقيين الأقدمين الذين أوجدوا فن الموسيقى أو عملوا على تقدمه: عن أولمبس تلميذ مارسياس الذي اخترع السلم ذا المسافات القصيرة حوالي عام 730 ق. م، وعن لينوس Linus معلم هرقل الذي اخترع العلامات الموسيقية اليونانية وأوجد بعض (الدرجات ، وتحدثنا عن أرفيوس التراقي كاهن ديونيسس ، وعن تلميذه موسيوسMausaeus الذي قال إن (الغناء من أحلى الأشياء للآدميين. وتوحي هذه القصص بأن الموسيقى اليونانية استمدت أشكالها في أغلب الظن من ليديا، و فريجيا ، و تراقية.

    وكانت الموسيقى من مستلزمات الحياة اليونانية لا تكاد تخلو منها ناحية من نواحيها ، فكانت لديهم ابتهالات لديونيسس وتهاليل لأبلو ، وترانيم لكل إله من آلهتهم. وكانت لديهم مدائح للأغنياء وأغاني نصر لأبطال الرياضة وأناشيد تغنى على الطعام والشراب ، وللحب ، والزواج ، والحزن ، والدفن. وكان للرعاة ، والحاصدين ، وعاصري الخمور والغزالين ، والنساجين ، هم أيضاً أغانيهم ، وأكبر الظن أن الرجل في السوق أو في النادي ، وأن السيدة في بيتها والمرأة في الطرقات ، كل هؤلاء كانوا يغنون أغاني لم يكن حظها من العلم كحظ أغاني سمنيدس ؛ وما من شك في أن الأغاني الخليعة والأغاني الراقية قد جاءت كلتاهما إلينا من أقدم العصور.

    وكانت أرقى أنواع الموسيقى في اعتقاد اليونان وفي حياتهم العملية الغناء الجماعي ؛ وقد أكسبوا هذا النوع من الغناء عمق الفلسفة وتعقيد التركيب ، وهما الصفتان اللتان أخذتا تجدان لهما مكاناً في السمفونية والمقطوعات الموسيقية ، وكان في كل احتفال- سواء أكان احتفالاً بحصاد ، أم بنصر ، أم بزواج ، أم بيوم مقدس ، مكان لجوقة غنائية ؛ وكانت المدن والجماعات المختلفة تقيم من حين إلى حين مباريات في الغناء الجماعي تعد له العدة في معظم الأحيان قبل موعده بزمن طويل ، فيعين مؤلف لكتابة الألفاظ والموسيقى ، ويطلب إلى رجل مثرٍ أن يتكفل بالنفقات ، ويستأجر المغنون المحترفون ، ويعنى كل العناية بتدريب الجوقة. وكان المغنون كلهم يغنون نغمة واحدة ، كما نشاهد الآن في موسيقى الكنيسة اليونانية ، ولم يكن هناك (صوت منفرد) في الفرقة سوى ما حدث في القرون المتأخرة من ارتفاع صوت المصاحب خُمساً فوق الصوت أو انخفاض عنه بهذا القدر ، أو من معارضته. ويبدو أن هذا هو أقرب ما وصل إليه اليونان في التوافق والألحان التوافقية البسيطة.

    أما الرقص في أرقى صوره فقد مزج بالغناء الجماعي حتى صار فناً واحداً ، كما أن كثيراً من أنواع الموسيقى الحديثة ومصطلحاتها كانت فيما مضى متصلة بالرقص ، ولم يكن الرقص يقل في قدمه وانتشاره عن الموسيقى عند اليونان. ولما عجز لوسيان عن تتبع نشأته على سطح الأرض حاول أن يجدها في حركة النجوم المنتظمة. ولا يكتفي هومر بأن يحدثنا عن المرقص الذي صنعه ديدلوس Daedalus لأدرياني Adriane، بل يحدثنا أيضاً عن راقص ماهر بين المحاربين اليونان أمام طروادة يدعى مريونيس Meriones ، كان يرقص وهو يحارب فكانت الحراب لهذا السبب تعجز عن إصابته. ويصف أفلاطون الرقص (Orchesis ( بأنه (الرغبة الفطرية في شرح الألفاظ بحركات الجسم كله)- وهو ما تفسره به بعض اللغات الحديثة. وخير من هذا ما وصفه به أرسطاطاليس إذ قال إن الرقص "تقليد الأعمال، والأخلاق،والعواطف، بطريق أوضاع الجسم والحركات إلايقاعية". وكان سقراط نفسه يرقص، وهو يمتدح هذا الفن لأنه يهب الصحة لكل جزء من أجزاء الجسم(83)، وهو يقصد الرقص اليوناني بطبيعة الحال.

    ذلك أن هذا الرقص كان يختلف عن الرقص عندنا ، فهو، وإن كان في بعض أشكاله يثير الغريزة الجنسية ، قلما كان يجعل الرجال يلتصقون بالنساء ، بل كان رياضة فنية ، لا عناقاً في أثناء المشي ، كان كالرقص الشرقي تستخدم فيه الذراعان واليدان ، كما تستخدم الساقان والقدمان وكانت أنماطه لا تقل اختلافاً عن أنماط الشعر والغناء ، وقد ذكر الثقاة الأقدمون مائتين من هذه الأنماط، من بينها رقصات دينية كالتي كان يقوم بها عباد ديونيسس ، ورقصات رياضية كرقصات الإسبارطيين في احتفال الشباب العرايا ، ورقصات حربية كالرقص البيري يتعلمه الأطفال فيما يتعلمون من التدريب العسكري ؛ ومنها الهيبرشيما Hyporchema الفخمة أي الترنيم أو اللعب الذي يقوم به اثنان من المغنين أحدهما يغني ثم يرقص وثانيهما يرقص ثم يغني، ثم يتناوب الاثنان بعد هذا الرقص والغناء؛ ومنها الرقصات الشعبية التي ترقص عند كل حادثة هامة من حوادث الحياة وكل فصل أو عيد من فصول السنة أو أعيادها. وكانت لديهم مباريات في الرقص، كما كانت لديهم مباريات في كل شيء سواه، تشمل في العادة أغاني جماعية. وكانت هذه الفنون كلها- الشعر الغنائي ، والأغاني ، والموسيقى الآلية ، والرقص- وثيقة الصلة بعضها ببعض عند اليونان الأولين ، وكانت تؤلف في كثير من مظاهرها فناً واحداً ثم دخل فيها التفرع والتخصص المهني على توالي الزمن وبدأ ذلك في القرن السابع ، فترك الشعراء الجوالون للأغاني واستبدلوا بها التلاوة ، وفضلوا الشعر القصصي عن الموسيقى.

    وكان أرشلوقوس Archilochus يغني أشعاره دون أن يستعين بآلات موسيقية ؛ وبدأ ذلك التدهور الطويل الأمد الذي نزل بالشعر آخر الأمر فجعله أشبه بملك صامت حبيس سقط من السماء. ثم تفرع الرقص ذو الغناء الجماعي فكان منه غناء من غير رقص ، ورقص من غير غناء ، لأن (الحركات العنيفة تسبب قصر النفس ، ولذلك أثر سيئ في الغناء) كما يقول لوسيان. وظهر بهذه الطريقة عينها موسيقيون لا يغنون ، نالوا إعجاب مستمعيهم بمحافظتهم الدقيقة على أرباع النغمات. وقد غالى بعض مشهوري الموسيقيين وقتئذ ، كما يغالي أمثالهم الآن في أجورهم. من ذلك أن أميبوس Amoebeus المغني والعازف على القيثارة كان يتقاضى وزنة (تالنتا) أي نحو 6000 ريال أمريكي عن كل حفلة. وما من شك في أن الموسيقي العادي لم يكن ينال من الأجر إلا ما يسد به رمقه، وذلك لأن الموسيقي، كغيره من الفنانين، ينتمي إلى مهنة كان لها شرف القضاء على أهلها جوعاً في كل جيل من الأجيال.

    وأما الذين نالوا أوسع الشهرة فهم أمثال تربندر ، وأريون ، والكمان ، وأستسيكورس ، الذين برعوا في جميع أنواع الموسيقى ، والذين مزجوا الغناء الجماعي ، والموسيقى الآلية ، والرقص ، فجعلوا منها فناً واحداً معقداً متوافقاً ، لعله كان أجمل واجلب للسرور من التمثيلات الغنائية والفرق الموسيقية في هذه الأيام. وكان أريون أشهر أولئك الأساتذة كلهم. ويروي عنه اليونان أنه كان يقوم برحلة من تاراس Taras إلى كورنثة، فسرق منه الملاحون نقوده، ثم خيروه بين القتل طعناً أو غرقاً. فما كان منه إلا أن غنى أغنية أخيرة ثم ألقى بنفسه في البحر، فحمله دولفين على ظهره (ولعل الذي حمله هو عوده) وأوصله إلى البر. وهو الذي جعل من أناشيد المغنين السكارى ، الذين كانوا يرتجلون الأغاني الخمرية الديونيسية، أغاني جماعية مدربة غير مخمورة، تتألف من خمسين صوتاً، تغنى على أحد جانبي المسرح وترد عليها فرقة أخرى على الجانب الآخر. وكان موضوع الأغنية في العادة ما لاقاه ديونيسس من العذاب والموت، وكان المغنون يتنكرون في زي جن الحراج القريبة الشبه بشكل المعز تكريماً لخدم الإله كما تصورهم القصص المتواترة. ومن هذه الأغاني والحفلات نشأت المآسي اليونانية باسمها ومعناها.


    نشأة التمثيل
    امتاز القرن السادس بما ازدهر فيه من أسباب العظمة المتعددة التي انتشرت في كثير من البلاد. وكان تاج مميزاته كلها أن وضع فيه أساس التمثيل. لقد كان هذا القرن من فترات الإبداع الخلاقة في التاريخ. ومبلغ علمنا أن الناس قبله لم ينتقلوا من المسرحية الصامتة التي تعتمد على الإشارة ، أو من الطقوس الدينية ، إلى المسرحية الناطقة الدنيوية. ويقول أرسطاطاليس أن الملهاة قد "تطورت من أولئك الذين كانوا يقودون موكب عضو التذكير". ذلك أن جماعة من الناس يحملون عضو تذكير مقدس وينشدون أناشيد لديونيسس أو لغيره من آلهة الزرع، كان يطلق عليهم في اللغة اليونانية اسم كوموس أو الطرب. وكان رمز الصلات الجنسية من مستلزمات هذا الموكب لأنه كان ينتهي بزواج رمزي يهدف إلى تشجيع الإنبات بوسائل سحرية. ومن ثم كان الزواج والتناسل المرتقب هو الخاتمة الطبيعية للملهاة اليونانية القديمة ، كما هو خاتمة معظم الملاهي والروايات القصصية الحديثة.

    وقد ظلت الملاهي اليونانية في آخر أيام منندر Menander بذيئة فاحشة لأن نشأتها كانت الصلات الجنسية الصريحة، ولأنها كانت في بدايتها احتفالاً مرحاً يقوى التناسل، فكان القائمون بها يتحللون من كثير من القيود الأخلاقية في المسائل الجنسية ، وكانت قواعد الآداب وقوانينها يقف العمل بها في يوم الاحتفال ، فتباح حرية الكلام بأفحش الألفاظ.

    وكان كثير من المحتفلين يتزينون بزي جنيات الحراج الديونيسية ، ويضعون في ثيابهم ذيل ماعز وعضو تذكير اصطناعي طويل من الجلد الأحمر. ثم أصبح هذا هو اللباس التقليدي على المسارح التي تمثل الملاهي ؛ وكان في عهد ارستفنير عادة دينية لا يمكن التحلل منها. والحق أن عضو التذكير ظل رمزاً ملازماً للمهرج في الملهاة حتى القرن الخامس في أوربا الغربية ، وحتى آخر أيام الإمبراطورية البيزنطية في أوربا الشرقية. وكان يصحب عضو التذكير في الملهاة القديمة ذلك الرقص الفاحش الخليع المعروف برقص الكرداكس Kordax.


    .ومن أغرب الأشياء أن تحوُّل مرح الإنبات الريفي إلى الملهاة التمثيلية قد حدث أولاً في صقلية. ذلك أن رجلا يدعى سوزريون Susarion من أهل مجارا هبليا Megara Hyblaea القريبة من سرقوسة هو الذي حول موكب الفن الجديد من صقلية إلى البلوبونيز ومنها إلى أتكا. وكان الممثلون المتنقلون ، أو الهواة المحليون ، يمثلون الملاهي في القرى. ومر قرن كامل قبل أن يعنى ولاة الأمور- على حد قول أرسطاطاليس - بالملهاة عناية جدية فيبيحوا تمثيلها في الأعياد الرسمية (465ق. م). ونشأت المأساة- Tragoidia- أو أغنية الماعز- بالطريقة عينها من محاكاة المحتفلين رقصاً وغناءً بعيد ديونيسس ، المتشبهين بجنيات الغابات ، والمرتدين جلود المعز. وقد ظلت هذه المحاكاة جزءاً أساسياً من المسرحيات الديونيسية إلى أيام يوربديز ، فكان ينتظر من كل مؤلف لمأساة من ثلاثة فصول أن يراعى العادة القديمة فيضيف إليها فصلاً رابعاً هو عبارة عن مسرحية قصيرة تعرض فيها جنيات الغاب تكريماً لديونيسس. وفي هذا يقول أرسطاطاليس: "وإذ كانت المأساة قد تطورت عن مسرحية جن الغابات فإنها لم ترتفع من الحبكات القصيرة ، والعبارات المضحكة ، إلى مكانتها الرفيعة الكاملة إلا في زمن متأخر جداً". وما من شك في أن عوامل أخرى كان لها شأن في نشأة المأساة ، وأن هذه العوامل قد قويت وظهر أثرها في ذلك الوقت؛ لعلها قد استمدت شيئاً من عبادة الموتى واسترضائهم ، ولكن أهم ما استمدت منها منذ نشأتها هو الحفلات الدينية الرمزية كتمثيل مولد زيوس في كريت أو أرجوس أو ساموس ، وكزواجه الرمزي بهيرا ؛ أو حفلات دمتر وبرسفوني في إليوسيس وغيرها؛ وأهم من هذا كله ما كان يحدث في البلوبونيز وأتكا من حزن ومرح لموت ديونيسس وبعثه، وكان يطلق على هذه المحاكاة اسم Dromena- أي أشياء تعمل، ولفظ دراما Drama ذو صلة بهذا الاسم ومعناه- أو ما يجب أن يكون معناه- "العمل". وقد ظلت فرق الغناء في سكيون حتى أيام الطاغية كليسثنيز تحيي ذكرى "عذاب أدراستوس Adrastus" ملكها القديم . وفي إيكاريا Icaria التي شب فيها ثسبيس كان يضحي بعنز لديونيسس؛ ولعل "أغنية العنز" الذي اشتق منها اسم المأساة اليوناني كانت أغنية تغني حين تقطيع هذا الرمز أو هذا التجسيد للإله الثمل. وقصارى القول أن المسرحية اليونانية كالمسرحية الإنجليزية استمدت أصلها من الطقوس الدينية.

    ويُرى من هذا أن المسرحية الأثينية ، مأساة كانت أو ملهاة، كانت تمثل على أنها جزء من حفلات ديونيسس بإشراف الكهنة في دار التمثيل تسمى باسمه، وعلى يد الممثلين يسمون "الفنانين الديونيسيين". وكان يؤتى بتمثال ديونيسس إلى مكان التمثيل، ويوضع أمام المسرح لكي يستمتع بمشاهدة التمثيل؛ وقبل البدء به يضحى بحيوان للإله. وكان لدار التمثيل ما للمعبد من قداسة. فإذا ارتكبت فيها جريمة عوقب مقترفها لأنه ارتكب خطيئة دينية أكثر مما ارتكب جريمة مدنية. وكما أن الملهاة كان لها مقام الشرف على مسرح مدينة ديونيسيا، كذلك كان للملهاة المكانة الأولى في الاحتفال بعيد لينيا، ولكن هذا الاحتفال نفسه كان احتفالا ديونيسيا في صبغته. ولعل موضوع التمثيل كان في بادئ الأمر كالعشاء الرباني عند المسيحية، أي عذاب الإله وموته؛ ثم أُذِن للشعراء على توالي الأيام أن يستبدلوا بعذاب الإله عذاب بطل من أبطال الأساطير اليونانية. وربما كانت المأساة في صورتها الأولى مراسم سحرية تهدف إلى الوقاية من المآسي التي تمثلها أو إلى تطهير المستمعين من الشرور تطهيراً أكثر مما يفهم من هذا اللفظ عند أرسطاطاليس؛ وذلك بتمثيل هذه الشرور كأنها قد نشأت وانتهت على المسرح. ولقد كانت هذه النشأة الدينية للمأساة اليونانية من الأسباب التي وضعتها في مستوى أرقى من مستوى المأساة الإنجليزية في عصر الملكة إليزابث.

    وأضحت فرقة المغنين والراقصين ، التي جعلها أريون فرقة من المقلدين والمحاكين، أساس الحركات التمثيلية، وظلت جزءاً أساسياً من المأساة اليونانية حتى آخر مسرحيات يوربديز. وكان الممثلون الأولون يسمون بالراقصين لأنهم جعلوا مسرحياتهم رقصاً جماعياً قبل كل شيء؛ وكانوا في واقع الأمر معلمي رقص. ولم يكن هذا التمثيل الرقصي والغنائي الجماعي ليحتاج لأكثر من شيء واحد ليصبح مسرحية بالمعنى الصحيح، ذلك هو وجود ممثل يقابل هذه الجماعة، ويقوم أمامها بأعمال، أو يتحدث إليها بأحاديث. وقد خطرت هذه الفكرة لواحد من معلمي الرقص ومدربي المغنين هو ثسبيس Thespis الإيكارياوي- من أيكاريا Icaria وهي بلدة قريبة من مجارا في البلوبونيز حيث كانت تمثل في كل عام طقوس دمتر، وبرسفوني، وديونيسس زجريزس. وقد انفصل ثسبيس هذا من فرقة الراقصين والمغنين، مدفوعاً إلى هذا من غير شك بتأثير الأنانية التي تحرك العالم وتعمل على تقدمه، ووضع لنفسه عبارات يقولها بمفرده، وأوجد الفكرة المقابلة والنزاع مع سائر الفرقة، وقدم للتاريخ المسرحية بمعناها الدقيق، وقام بأدوار مختلفة من هذا القبيل أصابه التوفيق فيها تارة والإخفاق تارة أخرى؛ ولما أن مثَّلت فرقته في أثينة غضب صولون أشد الغضب على ما ظنه خداعاً للجمهور، وندد بهذه البدعة الفنية، وسماها فساداً خلقياً- وتلك تهمة طالما اتهم بها التمثيل في كل جيل. وكان بيسستراتس أوسع من صولون خيالاً، وشجع المباريات التمثيلية في عيد ديونيسس، وقد فاز ثسبيس في إحدى هذه المباريات. وتطورت المسرحية في شكلها الجديد تطوراً سريعاً استطاع معه كوريلوس Choerilus بعد جيل واحد أن يمثل مائة وستين مسرحية. ولما أن عاد إسكيلوس، وعادت أثينة، ظافرين من معركة سلاميس بعد خمسين سنة من حياة ثسبيس كان المسرح قد تهيأ لاستقبال العصر المجدي في تاريخ المسرحية اليونانية.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد أكتوبر 22, 2017 12:42 am