معلومات تاريخية تجدونها هنا


    بلاد مابين النهرين تحت الحكم الفارسي والاغريقي

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 36
    تاريخ التسجيل : 18/03/2010
    العمر : 23

    بلاد مابين النهرين تحت الحكم الفارسي والاغريقي

    مُساهمة  Admin في الجمعة مارس 19, 2010 1:09 am

    بلاد مابين النهرين تحت الحكم الفارسي
    قام سيروس الثاني مؤسس الامبراطورية الاخمينية بتوحيد بابل مع بلاده في وحدة شخصية وانتحل لقب " ملك بابل وملك الاصقاع". وعين ابنه كامبيسيس نائبا للملك وسكن في سيبار. اعتمد الفرس على دعم الكهنة وطبقة رجال الاعمال في المدن. في مخطوطة بابلية، يدعي سيروس بفخر احتلاله لمدينة بابل بطريقة سلمية غير دموية. وبذات الوقت يتحدث عن مردوخ كملك الالهة. ان اعتداله و تحفظه قد اثمرا فقد اصبحت بابل اغنى مقاطعة في امبراطوريته.
    ليس هناك اية اشارة الى اي تمرد او ثورة وطنية في بابل تحت حكم سيروس و كامبيسيس (529 – 522 ). الا انه لابد وان احاسيس عدم الرضا قد تراكمت واصبحت واضحة في عيد جلوس الملك داريوس الاول ( 522 – 486 )، عندما قام مغتصب بالاستيلاء على عرش بابل تحت اسم نبوخذنصر الثالث من اجل ان يخسر كل من العرش وحياته بعد عشرة اسابيع. وقد محى داريوس اي عمل عقابي. كان عليه اتخاذ تدابير اكثر قسوة في 521 عندما قام نبوخذنصر آخر باعلان ثورة اخرى. واستمر حكم المغتصب هذا شهران. تبع ذلك عمليات اعدام ونهب، فامر داريوس بهدم اسوار بابل الداخلية، واصلح تنظيمات الدولة. وبقيت بابل العاصمة للولاية الجديدة وكذلك اصبحت المقر الاداري لولايات دولة آشور وسوريا. نتج عن ذلك توسعة القصر.
    بقيت بابل ارض خير ورخاء، على عكس آشور اتي كانت لا تزال بلادا فقيرة. وبنفس الوقت كانت ادارة المملكة في ايادي الفرس، وزاد ثقل الضرائب. مما نتج عن هذا حالة من عدم الرضا تمركز خاصة في المعابد الكبيرة في بابل. خيرخيس ( 486 – 465 ) والذي كان يسكن بابل عندما كان وليا للعهد، وكان يعرف البلد جيدا. عندما اعلن تتويجه ملكا قام من فوره بتقليص استقلالية الولايات. وهذا يدوره مهد للكثير من الثورات. كان في بابل حكومتان انتقاليتان لفترتين قصيرتين لبابليين مطالبين بالعرش خلال 484 – 482 . وانتقم خيرخيس بان دنس وهدم جزئيا الاماكن المقدسة للاله مردوخ وبرج بابل في مدينة بابل. واعدم الكهنة وصهر تمثال الاله مردوخ.
    ظلت العوائل المالكة تسكن في القصور في بابل، ولكن اللغة الارامية اصبحت يوما بعد آخر هي لغة الادارة الرسمية. احد المصادر الاساسية للمعلومات عن هذه الفترة هو ارشيف الرقم الطينية للبيوت التجارية لموراشو وابنائه في نيبور للسنوات 455 – 403 ، والتي تتحدث كثيرا عن الدور المهم الذي لعبه الايرانيون في البلاد. ملكيات الولاية كانت بايديهم. فهم كانوا يسيطرون على الكثير من الماجورات الاقطاعية، وتجمعوا بطيقات اجتماعية وفقا لجذورهم ووظائفهم. رجال الاعمال كانوا على الاغلب بابليين وآراميين.
    وتغدو الوثائق بعد 400 ضئيلة. وتصبح الحياة الثقافية لبابل مركزة في بعض المدن المركزية، وخاصة مدينة بابل واوروك (الوركاء)؛ واور ونيبور كانت ايضا مراكز مهمة. واستمر عمل المنجمين كما يثبت من سجلات الرصد. نابو-ريماني، الذي عمل وعاش حوالي عام 500 و كيدينو القرن الخامس او الرابع ق م، كانا معرفين للاغريق، كلا المنجمين كانا مشهورين لاساليبهما في حساب مدارات القمر واللاجرام السماوية. اما في حقل الاداب، واعمال الاشعار الدينية، اضافة الى نصوص التعاويذ والكلمات السومر-اكدية والتي كانت تستنسخ غالبا مع هوامش.
    الفترة السلجوقية (320 – 141 ق م )
    كانت بلاد مابين النهرين عند نهاية الامبراطورية الاخمينية مقسمة الى ولاية بابل في الجنوب، في حين ان القسم الشمالي من بلاد مابين النهرين ضم الى سوريا ضمن ولاية اخرى. لا يعرف كم استمر هذا التقسيم، ولكن عند وفاة الاسكندر الكبير في 323 ق م ، سلخ شمال مابين النهرين من ولاية سوريا واصبح ولاية منفصلة.
    عانت بلاد مابين النهرين من الحروب التي خاضها خلائف الاسكندرالكبير من خلال عبور تلك الجيوش وعمليات السلب التي اقترفوها. وعندما قسمت امبراطورية الاسكندر في 321 ق م ، استلم احد قادته سلجوق ( وعرف فيما بعد بسلجوق الاول نيكاتور) حكم ولاية بابل . وعلى اية حال فمنذ حوالي 312 ق م استولى انتيكونس الاول مونوفثالموس (اي الاعور) على حكم الولاية كحاكم لكل بلاد مابين النهرين، وهزم سلجوق وقبل اللجوء في مصر. وبمساعدة البطالمة المصريين تمكن من دخول بابل في 312 ق م ( حسب اعتقاد البابليين في 311 ) وتمكن من الثبات بها لفترة قصيرة تجاه جيوش انتيكونس قبل الاتجاه شرقا حيث اسس حكمه. لا يعرف بالتاكيد متى عاد الى بابل واعاد ملكه هناك؛ قد يكون في 308 ، ولكن في 305 اطلق على نفسه لقب ملك. باندحار وموت انتيكونس في معركة ايبسوس في 301 اصبح لسلجوق امبراطورية كبيرة تمتد من افغانستان الحالية الى البحر المتوسط. واسس العديد من المدن اهمها مدينة سلجوقيا على دجلة ومدينة انطاكية على نهر ارونتس في سورية. سميت المدينة الاخيرة على اسم ابيه او ابنه فكلاهما يحمل اسم انطيوخوس، واصبحت انطاكية العاصمة الرئيسة في حين اصبحت سلجوقية العاصمة للمقاطعات الشرقية.
    لا يعرف تاريخ تاسيس هاتين المدينتين ولكن من المفترض ان سلجوق اسس سلجوقية بعد ان اصبح ملكا، ولكن انطاكية تاسست بعد دحره لجيش انتيكونس.
    نادرا مايذكر اسم بلاد مابين النهرين في المصادر الاغريقية فيما يخص السلاجقة، لان حكام السلاجقة كانوا مشغولين مع اليونان والاناضول وبحروب مع بطليموس مصر في فلسطين وسورية. حتى ان التقسيم السياسي لبلاد مابين النهرين ليس محددا خاصة وان كل من الاسكندر وسلجوق وابنه اطيوخوس الاول سوتر اسسوا مدنا كانت مستقلة مثل "بولس" الاغريقية. ان تقسيم الارض سياسيا الى 19 او 20 ولاية، والذي وجد اخيرا تحت حكم البارثيين، بدأ اساسا تحت حكم السلاجقة. ولكن يمكن تقسيم بلاد مابين النهرين جغرافيا، الى اربعة مناطق: كراسين ( وتدعى ايضا ميسين، في الجنوب؛ وبابل والتي سميت بعدئذ اسورستان، في الوسط؛ وشمال مابين النهرين، حيث كانت هناك فيما بعد سلسلة من الولايات الصغيرة مثل كوردين، اوسرون، اديابين، وكراميه، واخيرا مناطق الصحاري في شمال الفرات، والتي اطلق عليها في عهد الساسانيين عربستان. لهذه المناطق الاربعة سجلات تاريخية مختلفة الى غاية الحكم العربي في القرن السابع، بالرغم من ان جميعها كانت تابعة للسلاجقة اولا ثم البارثيين والساسانيين. كانت قسم من هذه المناطق مستقلة تماما نظريا وعمليا، ولبعض الوقت، في الوقت الذي تباينت العلاقة بين بعض المدن مع الحكومة الاقليمية وكذلك الحكومة المركزية. عرف من خلال الكتابات المسمارية ان الحكومات في بلاد مابين النهرين قد مارست طقوس الديانات التقليدية اضافة الى التقاليد الاخرى، كانت هناك بعض المراكز الاغريقية مثل سلجوقية وجزيرة ايكاروس ( جزيرة فيلكه الحالية) حيث كانت تمارس تقاليد المدن الاغريقية. اما المدن الاخرى فكان فيها القليل من الموظفين الاغريق او المعسكرات ولكنها استمرت بممارساتها السابقة.
    لم تكن سلجوقيا على دجلة العاصمة الشرقية ولكنها كانت مدينة مستقلة تحكم من قبل حاكم منتخب، وحلت مكان بابل كمركز اداري وتجاري في اقليم بابل القديم. اما في الجنوب فهناك العديد من المدن التي اصبحت غنية في التجارة البحرية مع الهند، مثل فرات و كاراكس ؛ اصبحت كاراكس الميناء الرئيس للتجارة بعد سقوط السلاجقة.لم يكن في الشمال مدينة اساسية مركزية، بل العديد من المدن المتوسطة الحجم مثل ارابيلا ( اربيل الحالية) ونصيبيس ( نصيبين الحالية)، واصبحتا فيما بعد مركزين مهمين. اما في اقليم الصحراء،فقد بدأت " مدن القوافل" مثل الحضر وباليمرا بالازدهار في العهد السلجوقي ووصلت اوجها تحت حكم البارثيين. المرة الوحيدة التي فقد السلاجقة فيها السيطرة على بلاد مابين النهرين كانت من 222 ولغاية 220 ق م، وذلك عندما ثار مالون حاكم ميديا واتجه بجيش غربا. وعندما تحرك الملك السلجوقي الجديد انتيوخوس الثالث ضده من سوريا، وعلى اية حال فان قطعات مالون كانت قد تركته وهكذا انتهى التمرد. اما الباريثيون تحت ملكهم المقتدر ميثراديتس الاول فقد احتلوا الاراضي السلجوقية في ايران ودخلوا سلجوقيا في 141 ق م. بعد وفاة ميثراديتس الاول في 138 ق م، فقد بدأ انتيخوس السابع حملة لاستعادة ممتلكات السلاجقة في الشرق. كانت هذه الحملة ناجحة الى ان فارق اننتيخوس السابع الحياة في ايران في 129 ق م. انهت وفاته الحكم السلجوقي في بلاد مابين النهرين وحددت بداية مملكات صغيرة في كل من شمال بلاد مابين النهرين وجنوبها.
    لقد جلب حكم السلاجقة العديد من التغييرات في بلاد مابين النهرين وخاصة في المدن التي كان قد سكنها الاغريق والمقدونيون. في تلك المدن غالبا ما كان الملك يعمل لتفاقيات منفصلة مع موظفين المدينة الاغريق فيما يخص السلطة المدنية والعسكرية، الحصانة من ضرائب السخرة او ما شابه. اما المدن الاخرى فاستمرت في نظامها القديم المتبع من قبل الحكومة المحلية كما كان متبعا من قبل الاخمينيين. كان الهة الاغريق يعبدون في معابد مخصصة لهم في المدن الاغريقية وكانت هناك معابد مخصصة لالهة بلاد مابين النهرين في مدنهم. وبمرور الزمن فان التوفيق بين الحركات الدينية وقد تطورت اساليب تمييز الالهة المحلية والاجنبية. بالرغم من ان سياسة الالتزام بالثقافة الاغريقية لم تفرض على الشعب الا ان الافكار الاغريقية اثرت بالطبقات المثقفة كما ان الاغريق قد تبنوا تدريجيا الممارسات المحلية. كما في اليونان واراضي شرق المتوسط فان فلسفات الرواقين (مذهب زينون 300 ق م المنادي بالتحرر من انفعالات الفرح والحزن والخضوع من غير تذمر للحكم الضرورة القاهرة) والمدارس الاخرى ربما كان لها تاثير كما كان للديانات الروحية؛ وكان كلاهما اشارات مميزة للعصر الهيلينيكي. لا يوجد لسوء الحظ اي دليل من الشرق حول شهرة المعتقدات الاغريقية ضمن السكان المحليين، ويمكن للباحثين الافتراض على اساس الهوامش والذيول لكتاب مثل سترابو. احترم الحكام السلاجقة الكهنة المحليين لبلاد مابين النهرين، ولا يوجد سجل لاي اضطهاد ديني. بل بالعكس فقد فظل الحكام الممارسات الدينية المحلية، واستمرت الاشكال القديمة للعبادة. استمرت الكتابات المسمارية من قبل الكهنة والذين استنسخوا التعويذات والنصوص الدينية القديمة حتى العهد البارثياني.
    وبقيت الاعراف الادارية في الارياف اكثر تقليدا من تلك الموجودة في المدن؛ الضرائب القديمة كانت تدفع الى الاسياد الجدد. وقد كانت الولايات، والتي قد قلص حجمها عنه في زمن الاخمينيين، الاساس في سيطرة السلجوقيين على الارياف. المرزبان (منصب عسكري) كان يرأس كل ولاية، وكانت الولايات مقسمة الى " هيبارجات او ايبارجات" وصورة تقسيم الولايات غير واضحة. كانت هناك اشكال مختلفة كثيرة لوحدات ادارية صغيرة. كانت تستخدم في العاصمة و مراكز الاقاليم اللغة الاغريقية والارامية كلغات حكومية مكتوبة . لقد اوقف استخدام الخط المسماري في الوثائق الحكومية لفترة من الزمن خلال العهد الاخميني، ولكنها استمرت في النصوص الدينية لغاية القرن الاول للعهد الحالي. كانت الاراشيف في العاصمة ومدن الاقاليم تدار من قبل موظف يدعى " بيبلوفيلاكس". كان هناك العديد من الموظفين الماليين؛ البعض منهم كان يدير الاملاك الملكية وآخرون يديرون الضرائب المحلية وآخرون الشؤون الاقتصادية.ان النظام القانوني في الامبراطورية السلجوقية غير مفهوم بصورة جيدة، ولكن يفترض انه تم تطبيق قانون بلاد مابين النهرين المحلي والقانون الاغريقي، واللذان استوعبا او حلا محل القوانين الاستعمارية الاخمينية.
    ان الحفريات في منطقة سلجوقيا قد كشفت عن آلاف الاختام الطينية، تشير الى النظام المتطور للسيطرة والضرائب على البضائع التجارية. العديد من هذه الاختام عبارة عن سجلات دفع ضريبة الملح. معضم التعرفة والمكوس كانت عبارة عن تقييمات محلية وليست ضرائب ملكية.
    ان الآثار الفنية من الفترة السلجوقية نادرة وعلى عكس الفن الاخميني فلم يعثر على آثار ملكية، وقد يستطيع الفرد من تشخيص المواد التي تعود الى العهد الساساني كفن شخصي او شعبي، مثل الاختام والتماثيل والتماثيل الصغيرة المصنوعة من الطين. يمكن ملاحظة كلا من الطابع الاغريقي والمحلي مع تداخل الاسلوبين في نهاية الحكم السلجوقي، كدليل على تمازج الحضارات.
    الاعداد الكبيرة من تماثيل هرقل الصغيرة والكبيرة التي عثر عليها في الشرق يؤكد شهرة آلهة الاغريق في بلاد مابين النهرين على هيئة الاله المحلي نيركال.
    كانت الارامية هي لغة الكتابة الرسمية للامبراطورية الاخمينية؛ ولكن بعد احتلال الاسكندرالكبير، احل محلها اللغة الاغريقية لغة المحتل. وكانت كلا اللغتين الاغريقية والارامية هما اللغتان الرسميتان للدولة في العهد السلجوقي. وطرأ تغيير تدريجي على اللغة الارامية في مناطق مختلفة من الامبراطورية وفي بلاد مابين النهرين في عهد البارثيين فتطورت الى اللغة السريانية بلهجة مختلفة عن السريانية الغربية المستخدمة في سوريا وفلسطين. اما في جنوب بلاد مابين النهرين فقد نشأت لهجات اخرى احداها كانت الماندائية اللغة المكتوبة للديانة المندائية.
    لم يوجد أدب باللغات المحلية، ماعدا نسخ من النصوص الدينية القديمة بالخط المسماري وشضايا من الكتابات الارامية. وكان هناك مؤلفون كتبوا باللغة الاغريقية ولكن القليل من انتاجهم قد بقي وكما اقتبس عنه في الاعمال التي تلت. اهم هؤلاء المؤلفين هو بيروسوس، وهو كاهن بابلي الذي كتب في تاريخ بلده، لربما تحت حكم انتيوخوس الاول ( الذي حكم 281 – 261 ق م ). وعلى الرغم من ان ما محفوظ مما أقتبس من عمله تتناول تاريخ الاساطير القديمة وعلوم الفلك والتنجيم، فان حقيقة كونها باللغة الاغريقية هو دليل على اهتمام المستعمرين الاغريق بثقافة جيرانهم. والكاتب الاخر المشهور هو ابولودوروس من ارتيميتا ( مدينة قرب سلجوقيا)، والذي كتب تحت حكم البارثيين تاريخ بارثيا باللغة الاغريقية اضافة الى اعمال اخرى في الجغرافية. بقي الاغريق يتكلمون لغة مشتركة مستخدمة من قبل المثقفين من ابناء بلاد مابين النهرين خلال العهد الباريثي.
    كان اسلوب تاريخ الاحداث ابان الحكم السلجوقي، وكما معروف، هو باعتماد سنة معينة كاساس لحساب تاريخ مستمر، واستخدم هذا الاسلوب لاول مرة في الشرق الاوسط. واعتمدت سنة دخول السلاجقة الى بابل في 311 قم استنادا الى سكان مابين النهرين، و312 حسب السريان. وكل ماقبل هذا فكان التاريخ حسب سنوات الحكم الملكي لملك ما ( فمثلا السنة الرابعة من حكم داريوس). سعى البارثيون متبعين نهج السلاجقة لتاسيس نظام تاريخ خاص بهم معتمدين على الاحداث في الماضي وبموجبها لا يمكن للباحثين الا الحدس – من المحتمل افتراض لقب الملك من خلال الحاكم الاول للبارثين، ارساكيس.
    ولما كانت اليونان مزدحمة بالسكان خلال بداية الحكم السلجوقي، فلم يكن من الصعب اقناع المستعمرين للمجئ الى الشرق، وخاصة عندما كانوا يمنحون مساحات من الاراضي من الاملاك الملكية والتي يمكنهم توريثا الى ورثتهم؛ وان لم يكن لهم ورثة، فتعود الارض الى الملك. كل الاراضي تعود نظريا الى الحاكم، ولكن كان النفع العام هو السائد. وبمرور الوقت اضمحل نفوذ الاستعمار الاغريقي ثم انتهى عندما قاطعت حروب الملوك الهيلينيكين هذه الحركة. وعلى اية حال استمر النفوذ الاغريقي ومن الامور الدهشة ان تجد في الوثائق المكتوبة بالخط المسماري سجلات لعوائل يكون للاب اسم محلي من اسماء بلاد مابين النهرين ولابنه اسم اغريقي، او العكس. وبالرغم من الامن الذي تمتعت به بلاد مابين النهرين تحت الحكم السلجوقي، فانه قد ازدهر السكن والغذاء ضمن السكان.



    العهد الساساني ( 224 – 637 م )
    يضع العهد الساساني نهاية للعهد القديم وبداية للعهد الاقطاعي في تاريخ الشرق الاوسط. الاديان السماوية كالمسيحية والثنوية (الصراع بين النور والظلام) وحتى الزرادشتية واليهودية قد امتصوا الديانات والعبادات المحلية في بداية القرن الثالث. انتهت كل من الامبراطورية الساسانية والرومانية باتخاذ دين رسمي للدولة، الزرادشتية للاولى والمسيحية للاخيرة. اما في بلاد مابين النهرين فان العبادات القديمة مثل المندائية (الصابئية) عبادة القمرللحرانيين وعبادات اخرى قد استمرت جنبا الى جنب الاديان العظيمة. لم يكن الحكام الجدد بنضج السلجوقيين والبارثيين وان الاضطهاد حدث في ظل الحكم الساساني.
    بعد ان ركز اردشير الاول اول ملوك الساسانيين سلطته في بيرسيس ( مقاطقة فارس حاليا) توجه الى جنوب بلاد مابين النهرين وسقطت مسين. في 224 دحر وقتل اخر حكام البارثيين، ارتابانوس الخامس، مما سرع في سقوط كل بلاد مابين النهرين امامه واصبحت المدائن العاصمة الرئيسة للامبراطورية الساسانية.
    في 230 حاصر ارداشير الحضر ولكنه عجز ان يحتلها. طلبت الحضر المعونة من الرومان وفي 232 شن الامبراطور سيفيروس الكسندر حملة اوقفت تقدم زحف اداشير. عند موت سيفيروس الكسندر في 235 تحول الساسانيون للهجوم وربما في 238 اصبحت نصيبين وحران تحت سيطرتهم. ومن المعتقد ان الحضر سقطت في بداية 240 والتي اصبح فيما بعد ابن ارداشير حاكما عليها؛ ثم مات بعد ذلك بقليل ارداشير. قاد الامبراطور الروملني جورديان الثالث جيشا كبيرا ضد شابور الاول في 243 . واستعاد الرومان كل من حران ونصيبين ودحروا الساسانيين في معركة قرب رساينه فى الانبار، والتي سميت فيروز – شابور ( شابور المنتصر) واستطاع الساسانيون من الحاق الهزيمة بالرومان الذين فقدوا امبراطورهم. اما خليفته فيليب العربي فقد استطاع تحقيق السلام وترك الغزوات الرومانيةفي شمال بلاد مابين النهرين. اما "اوسروني" التي عادت الى حكم العائلة الحاكمة المحلية "ابغار" من قبل جورديان، فقد بقت دولة الرمان الاقطاعية. وجدد شابور هجماته واحتل العديد من المدن من ضمنها دورة – يوروبوس في 256 ومن ثم تحرك الى شمال سورية والاناضول. كان اندحار الامبراطور الروماني فاليريان على ابواب اديسا في حوالي 259 كانت قمة فتوحاته في الغرب. وعند عودة شابور الى المدائن هاجمه حاكم بالميرا، سبيتيميوس اوديناثوس ( ويسمى ايضا اوديناث)، وهزم جيشه واستولى على الكثير من الغنائم. واخذ اوديناثوس لقب الامبراطور واستولى على حران ونصيبين وهدد المدائن في 264 – 266. ولقد كان لقتله متنفسا للساسانيين وفي 273 طرد الامبراطور الروماني اورليان بالميرا واحتفظ بالسلطة في شمال بلاد مابين النهرين. استمر السلام بين الامبراطوريتين لغاية 283 حين غزا الامبراطور الروماني كاريوس بلاد مابين النهرين وتقدم باتجاه المدائن ولكن الجيش الروماني كان قد اجبر على الانسحاب بعد موت سايروس المفاجئ. في عام 296 كان الملك الساساني السابع نصره الاول قد دخل الميدان وهزم القوة الرومانية قرب حران ولكنه هزم في السنة التالية وسبيت عائلته . ونتيجة لذلك فقد امن الرومان نصيبين وجعلوا منها قلعتهم الحصينة تجاه الساسانيين. اما بلاد "مابين النهرين "المقاطعة الرومانية والتي كانت تمثل الاراض الواقعة بين نهري دجلة والفرات في سفوح التلال الشمالية، اصبحت منطقة عسكرية محصنة ( الحدود المحصنة للامبراطورية الرومانية) ومدن عالية التحصين.
    بدأ الساسانيون العمليات الهجومية ثانية في عهد شابور الثاني، واستمرت الحرب الاولى من 337 لغاية 350؛ وانتهت من دون نتيجة لكون الرومان قد دافعوا عن نصيبس بنجاح. وفي عام 359 غزا شابور الاراضي الرومانية ثانية واحتل قلعة اميدا الرومانية بعد حصار طويل ومكلف.وفي عام 363 تقدم الامبراطور جوليان الى ضواحي المدائن، حيث توفى، ليخلفه جوفيان الذي خسر نصيبس واراضي اخرى في الشمال الى الساسانيين. اما الحرب التالية فاستمرت من 502 الى 506 وانتهت دونما تغيير. واندلعت الحرب ثانية في 527 واستمرت لغاية 531 وحتى الجنرال البيزنطي بيليساريوس لم يكن قادرا على السيادة؛ كالمعتاد، بقيت الحدود على حالها دون تغيير. وفي عام 540 غزا الملك الساساني خسرو الاول (خسرويس) سوريا وحتى استولى على انطاكيا، بالرغم من ان العديد من القلاع خلفه في شمال بلاد مابين النهرين بقيت بايدي البيزنطيين. وبعد قتال كر وفر، تم الجنوح الى السلم في 562 . استمرت الحرب مع الامبراطورية البيزنطية لعشر سنوات اخرى، واستمرت في عهد من خلف خسرو، هرمزد الرابع. ولم يستعيد البيزنطيون اراضيهم في شمال بلاد مابين النهرين الا في 591 حيث هبوا للمساعدة في استعادة العرش الساساني الى خسرو الثاني الذي فر لاجئا الى الاراضي البيزنطية. وبمقتل الامبراطور البيزنطي موريس في 602 والذي كان لصالح خسرو، واغتصاب فوكاس للعرش، فقد وجد خسرو الثاني فرصته الذهبية لتوسيع الملكية الساسانية وللثأر الى موريس. استولت الجيوش الفارسية على كل شمال مابين النهرين وسوريا وفلسطين ومصر وبلاد الاناضول. وبحلول 615 كانت القوات الساسانية في خالقيدونية مقابل القسطنطينية. وتغير الموقف تماما بمجئ الامبراطور البيزنطي الجديد هرقل، الذي، قام بحملة تحد شجاعة الى قلب اراضي العدو في 623 – 624 ، وهزم الساسانيين في ميديا. وتقدم في 627 – 628 باتجاه المدائن ولكنه انسحب بعد ان نهب القصور الملكية في داستاكرد شمال المدائن.
    وبعد وفاة خسرو الثاني، كانت بلاد مابين النهرين مدمرة، ليس من جراء القتال وحسب بل من فيضانات دجلة والفرات، ومن انتشار الطاعون، ومن التتابع السريع للحكام الساسانيين الذي اوجد حالة من الفوضى. واخيرا في 632 فرض آخر الملوك يزدجرد الثالث النظام والاستقرار، ولكن في السنة التالية بدأ التوسع العربي الاسلامي وانتهت الامبراطورية الساسانية بعد بضع سنوات من ذلك.
    جعل الساسانيون على عكس البارثيين امراءهم كحكام للمالك الصغيرة التي احتلوها، ماعدا تلك الواقعة على الحدود، حيث قبلوا الاقطاعيين أوالحلفاء كون وجودهم في المناطق الحدودية غير امين. ان تعيين الساسانيين امراءا على اجزاء مختلفة من الامبراطورية منحهم سيطرة اكبر من تلك التي فرضها البارثيون . كانت التقسيمات الاقليمية اكثر اسلوبية وكان هناك تسلسلا هرميا من اربعة وحدات – الولاية ( شهر في اواسط بلاد فارس)، والتي تليها الاقليم (اوستان)، ثم المقاطعة ( تسوك) واخيرا القرية ( ده). ولقد تبدلت هذه التقسيمات باستمرار في بلاد مابين النهرين، خلال التاريخ الساساني بسبب الغزوات الرومانية.
    استبدل العديد من جباة الضرائب المحليين بغيرهم من الفرس،الذي كانوا موضع ثقة اكبر من قبل الحكام. اضافة للعديد من التعريفات والمكوس وغيرها فان الضريبتين الاساسيتين كانتا ضريبة الارض وضريبة الرؤوس من البالغين. لم يكن النبلاء والعساكر وموظفوا الدولة وكهنة الديانة الزرادشتية يدفعون ضريبة الرؤوس تلك. اما ضريبة الارض فكانت نسبة مئوية من الحصاد، تقرر قبل جمع المحصول، والذي كان من الطبيعي يسبب العديد من المشاكل. قام خسرو الاول بعمليات مسح جديدة للاراضي وفرض مبلغا مقدرا سابقا على اساس مقدار الارض المزروعة وعدد اشجار النخيل واشجار الزيتون وعدد الاشخاص العاملين في الارض. كانت الضرائب تجبى ثلاث مرات في السنة. كانت ممارسات سوء الاستخدام موجودة لكن هذا النظام افضل من السابق؛ على الاقل، اذا ماحل موسم جفاف او اية حالة جوية فان الضرائب يمكن ان تخفظ او تحول. وعلى الرغم من ان المعلومات متناقضة، فيظهر ان المجتمعات الدينية ، غير الزرادشتية كانت تفرض عليهم ضرائب اضافية بين حين وآخر. كان هذا واضحا على المجتمع المسيحي الذي بدأ ينمو وخاصة في عهد شابور الثاني، بعد ان اصبح الدين المسيحي الدين الرسمي للامبراطورية الرومانية.
    اصبحت المجتمعات الدينية جامدة ثابتة تحت الحكم الساساني، فبلاد مابين النهرين باعدادها الكبيرة من سكانها من المسيحيين واليهود قد شهدت تغيرات بسبب التحول في الولاء الاساسي من الحاكم الى رئيس الطائفة الدينية. كان تشريد اليهود ودفعهم الضرائب مخرجا قانونيا في الامبراطورية الساسانية. ولد ماني، مؤسس الديانة المانوية في جنوب بلاد مابين النهرين وانتشرت دينه بسرعة الى الشرق والغرب حتى قبل وفاته. واضطهدت هذه الديانه في موطنها بلاد مابين النهرين من قبل رجال الدين الزرادشتين والذين كانوا ينظرون الى الديانة المانية كبدعة خطرة. اما المسيحية فلم يكن ينظر لها كبدعة بل كدين منفصل محتمل الى ان اصبح الدين الرسمي للامبراطورية الرومانية العدوة؛ عندها اعتبر المسيحيون كخونة محتملين للدولة الساسانية. اول نمو واسع للمسيحية في بلاد مابين النهرين جاء مع ترحيلهم واعادة توطينهم وخاصة من انطاكية مع بطرياركيتها خلال حروب شابور الاول مع الرومان. خلال المجمع الكنسي المنعقد في 325 جعل مطران ابريشية المدائن اعظم من ابريشيات الامبراطورية الساسانية كلها، وكان اول بطريارك او كاثوليكوس قد سمي بالبابا. في 344 بدا اول اضطهاد للمسيحين واستمر بدرجات متفاوتة لغاية 422 حين انهت الاتفاقية مع الحكومة اعمال الاضطهاد.
    احدث ذكر للمسيحيين في بلاد مابين النهرين هي مخطوطات كارتر رئيس كهنة الزرادشت بعد حكم شابور الاول. فقد ذكر كلا من المسيحين والنصارى وقد يكونوا طائفتين من المسيحيين، الناطقين بالاغريقية والناطقين بالسريانية، او لربما طائفتين مختلفتين من المسيحيين. لايعرف اي من الطوائف هي المعنية ولكن يعرف ان اتباع قادة المسيحية الروحانية الباردياسانين والماركونيين كانوا نشطين في بلاد مابين النهرين. ومن ثم وبع انفصال الكنيسة النسطورية عن القائلين بوحدة طبيعة المسيح ومركزها انطاكية، سيطرت الكنيسة النسطورية على بلاد مابين النهرين حتى نهاية الحكم الساساني حين زاد اعداد الكنيسة القائلة بوحدة طبيعة المسيح. وبعد حوالي 485 اقتنعت الحكومة الساسانية بان الكنيسة النسطورية في بلادهم ليسوا مخلصين للبيزنطيين وان الدولة لا تدعوا الى مزيد من الاضطهاد بل ان الاضطهاد كان يمارس من قبل رجال الدين الزرادشتي. وفي نهاية العهد الساساني كان النسطوريون يحاربون المنادين بوحدة طبيعة المسيح، والذين اصبحوا يعرفون باليعقوبيين، بدلا من محاربة الزرادشتين. اسس اليعقوبيون العديد من الاديرة وخاصة في شمالي بلاد مابين النهرين حيث لم يكونوا متحمسين تجاه الرهبنة.
    اصبح الانتساب العرقي تحت الحكم الساساني اقل اهمية من الارتباط الديني، وبهذا تغير البناء الاجتماعي لبلاد مابين النهرين. واستمر العرب بالتزايد سواء البدو او الحضر واصبحت اللغة العربية هي السائدة. اعتنق الملك العربي النعمان الثالث ملك الحيرة في جنوب بلاد مابين النهرين المسيحية في عام 580 ولكنه في عام 602 كان قد عزل من قبل خسرو الثاني الذي جعل من مملكة النعمان مقاطعة تابعة لامبراطوريته. ان هذا العمل ألب العرب ورفع الحواجز بين القبائل العربية في الصحراء وبعد ان توحد عرب الجزيرة تحت راية الاسلام فان مستقبل الامبراطورية الساسانية قد حسم. لقد رحب بالمسلمين في بلاد مابين النهرين كمحررين من الحكم الفارسي الاجنبي، ولكن التحول الى الدين الاسلامي لم يجر بسرعة بسبب مسامحة الدين الاسلامي وتعايشه مع بقية اهل الكتاب. لقد غير الاسلام تاريخ بلاد مابين النهرين اكثر من اي حدث آخر في التاريخ.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد أكتوبر 22, 2017 12:43 am