معلومات تاريخية تجدونها هنا


    السحر و العلم

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 36
    تاريخ التسجيل : 18/03/2010
    العمر : 23

    السحر و العلم

    مُساهمة  Admin في الجمعة مارس 19, 2010 1:08 am

    يبدو أن العلاقة بين السحر والعلم تسير في اتجاهين رئيسيين، الأول يظهر في صيغة تضادية، بينما الآخر يأخذ في هيئته العامة منحى تماثلياً على الرغم من التمايزات الدقيقة التي يحتويها في ذاته.
    وما نعنيه بالصيغة التضادية هنا، هو أن السحر يمتلك نفوذه في غياب العلم، وهذا معناه أن كل تقدم في ميدان العلم لابد أن يؤدي إلى انحسار سلطان السحر، ودراسة مختلف مراحل التاريخ البشري تسعفنا في هذا المجال.
    أما المنحى التماثلي - وهنا لابد من التشديد على الطابع النسبي الذي يتميّز به هذا الأخير- فالمقصود به هو اشتراك كل من السحر والعلم في اعتماد قواعد ذهنية معينة، وتقنيات محددة، مع خلاف أكيد بينهما على صعيد طريقة استخدام تلك القواعد والتقنيات، وأسلوب توظيفها في المشروع العام؛ ثم كيفية إدخالها عنصراً في النسيج الداخلي، لتغدو بعد ذلك جزءاً صميماً من البنية العامة سواء للسحر أم العلم.
    ونظراً لأقدمية السحر التاريخية بالنسبة إلى العلم، تمكّن هذا الأخير من تدارك أخطاء الأول، وذلك بإعادة بناء أسسه، واكتشاف العلاقات الموضوعية القائمة فيما بينها، وعزلها عن الهالة التي أحيطت بها بفعل تشابك الحاجة مع العجز والتطلع الذاتي.
    وقد أشار ادوارد كييرا بشكل بشكل عابر إلى هذا الموضوع بقوله: "لو لم يكن عندنا في الماضي تلك السلسلة من المحاولات غير المجدية التي ازدريناها ونبذناها باسم السحر لما وجدت علومنا الحاضرة. فهل بعد هذا نكون مجبرين على ارتكاب الأخطاء التي كان العلماء القدماء مرغمين على ارتكابها في الماضي" .
    ما ذكرناه حتى الآن لا يخرج عن نطاق العموميات، لذلك لا بد من التفصيل، وهذا يستلزم دراسة السحر من مختلف جوانبه؛ وكذلك متابعة أوجه العلاقة بينه وبين العلم.

    1- السحر:

    آ- السحر لغة واصطلاحاً:
    يقال في اللغة: سحره أي خدعه؛ والسحر هو ما لطف مأخذه ودق، والمراد به إخراج الباطل في صورة الحق .
    أما السحر بوصفه مصطلحاً، فهو "أحد أشكال الاعتقاد البدائي، مجموعة من الطقوس التي ترمي إلى التأثير في الناس والحيوانات، والأرواح المختلفة بهدف الحصول على نتائج معينة. ويقوم السحر على إيمان بعلاقة خارقة للطبيعة بين الإنسان والعالم المحيط به" .
    ومن التدقيق في التحديدين اللغوي والاصطلاحي، ندرك أن الأول يتناول السحر من وجهة نظر المجتمعات التي قطعت شوطاً حضارياً كبيراً، وأدركت بفعل التراكم المعرفي الذي حصّلته عدم جدوى تعليق الآمال على السحر بقصد تأمين الحاجات، أو تلبية الرغبات، على اختلاف أنواعها. في حين أن التحديد الاصطلاحي يبغي تقديم السحر في صورته الأصلية التي تجسّد الثقة الكبرى التي كان الإنسان القديم يمنحها السحر وتقنياته؛ وفي هذه الدراسة نتعامل مع هذا المعنى الاصطلاحي من دون غيره.

    ب- حاجة الإنسان القديم إلى السحر:

    تبين المكتشفات الأثرية - التي يعود تاريخها إلى العصر الحجري القديم - ممارسة الإنسان في ذلك الحين لمختلف الطقوس السحرية، وذلك في سبيل الحصول على مستلزمات عيشه. ومن المنطقي أن نستنتج هنا أن الإنسان عرف السحر في مرحلة زمنية أقدم، نظراً لأن التعبير عن الظاهرة لا يتم إلا بعد الركون إليها على مدى فترة طويلة. ومن الواضح أن الإنسان في المجتمعات القديمة كان يلجأ إلى السحر باعتباره كان يفتقر من جهة إلى الخبرة المعرفية الكافية التي تمكّنه من توفير ضروراته الحياتية؛ كما انه من جهة أخرى كان لا يشك في قدرة السحر وأهمية تقنياته، بل اعتبر أن ممارسة السحر ضرورة لا بد منها على طريق "إخضاع الحوادث الطبيعية للإرادة البشرية، وحماية الفرد من الأعداء والأخطار ومنحه القوة لإلحاق الضرر بأعدائه" .
    وهناك من يعتقد بوجود علاقة وثيقة بين السحر والطوطمية؛ تستمد مشروعيتها من اعتقاد "رجال القبائل البدائيين أن من الممكن تشجيع الحيوان والنبات على الازدهار والتكاثر، إذا اتخذ كل حيوان أو نبات مفيد طوطماً لقبيلة معينة أو قسم من القبيلة، وكذلك باستخدام الصور والرموز والرقصات التي يقلدون بها الحيوان" .
    ومن الواضح أن السحر وفق هذا المنظور لا يستجيب لرغبات فردية، بل لإرادة الجماعة التي كان الفرد يستمد منها القوة، مقابل خضوعه لهيمنتها. وقد أشار فريزر من جانبه إلى أمر من هذا القبيل، حينما تحدث عن السحر العام أو العمومي ، وما يعنيه بذلك هو أن السحر "يمارس من أجل المجتمع كله، فحيث تمارس الطقوس التي من هذا النوع الذي يهدف إلى تحقيق الخير والصالح العام يكون من الصعب اعتبار الساحر ذاته مجرد ممارس خاص وإنما يصبح إلى حدٍ ما "موظفاً" أو ممارساً عاماً" ؛ وما يذهب إليه في هذا المجال، هو أن نفوذ القائم بأعباء السحر العمومي كان يتنامى مع الوقت بشكل مكّنه من الاستحواذ على سلطات كثيرة، مما أدّى إلى تمركز النفوذ، وتحوّل السحر إلى أداة هامة من أدوات تكريس هيمنة السلطة، مع الحفاظ على التصورات الإيهامية لدى الجمهور الذي ظل لفترة طويلة خاضعاً للممارسات السحرية، عبر مشاركته في مختلف الطقوس التي اكتسبت لاحقاً طابعاً مقدساً، فباتت وجهاً من أوجه التجربة الدينية.
    ج- مبادئ السحر:
    يقول فريزر في كتابه الشهير "الغصن الذهبي": "إذا حللنا مبادئ الفكر التي يقوم عليها السحر فإنه يحتمل أن نجدها تنحصر في مبدأين اثنين: الأول، هو أن الشبيه ينتج الشبيه أو أن المعلول يشبه علّته؛ والثاني، هو أن الأشياء التي كانت متصلة بعضها ببعض في وقت ما تستمر في التأثير بعضها في بعض من بعيد بعد أن تنفصل فيزيقياً" ؛ وهو يسمي المبدأ الأول "قانون التشابه"، والثاني "قانون الاتصال أو التلامس" .
    فبموجب قانون التشابه، تؤدي ممارسة الفعل الجنسي شبه العلني - الزواج المقدس مثلاً- في منظور المجتمعات القديمة التي كانت تمارس ذلك، ومنها المجتمع الرافدي القديم، وفق طقوس محددة، أو في أوقات حرجة بالنسبة إلى الموسم الزراعي، إلى ازدهار الطبيعة، ووفرة المحصول . وفي المقابل، تكون فرصة انتعاش الطبيعة في فصل الربيع مناسبة لاتقاد الرغبات الجنسية ، التي من أولى مراميها مد المجتمع بثروة سكانية جديدة، كانت المجتمعات القديمة بأمس الحاجة إليها.
    وما يسوّغ المقارنة هنا - ربما- هو اعتقاد المجتمعات القديمة بوجود نوعٍ من التشابه بين الفعل الجنسي من جهة، واستقبال الأرض- التي كانت تتمثل في الإلهة الأم "كي"، "ننخرساج" في التراث السومري- من جهة أخرى لمطر السماء. والسماء كما تبين النصوص القديمة كانت تتجسد في الإله الذكر "آن" أو "آنو" عند السومريين والبابليين؛ في حين أن الإله" بعل" في بلاد الشام كان هو المسؤول عن المطر والزوابع .
    أما "قانون الاتصال أو التلامس"، فهو الذي يفسر رغبة الساحر في الحصول على أي شيء يخص موضوع سحره، حتى ولو كان ذلك سناً أو ظفراً؛ وذلك اعتقاداً منه أن كل ألم يتعرض له هذا الشيء- الجزء، ينتقل بالضرورة إلى صاحبه المستهدف أصلاً؛ ولعل هذا الشعور الضمني لا يزال يمتلك - وإن بشكل غامض- قسماً كبيراً من المعاصرين من أبناء مجتمعنا الذين يحرصون تمام الحرص على إخفاء أسنانهم المتساقطة، أو بقايا أظافرهم، بعيداً عن الأعين. ويرى فريزر أن خطأ السحر الحاسم يكمن في سوء استخدامه لقانون تداعي الأفكار، سواء التداعي القائم على التشابه، بمعنى أن الشيء يستدعي شبيهه؛ أو الذي يعتمد الاتصال، وفحواه أن الجزء يبقى على اتصالٍ مستمر مع الكل الذي كان جزءاً منه بعد انفصاله عنه؛ وهو يقول في هذا: "ليس ثمة ما يعيب مبادئ التداعي في ذاتها، فالواقع انها مبادئ جوهرية وأساسية تماماً للفكر الإنساني. إذا تم تطبيقها بطريقة سليمة فإنها تؤدي إلى العلم. بينما تطبيقها بطريقة غير سليمة "وغير مشروعة" يؤدي إلى السحر، وهو الأخ غير الشرعي للعلم" .
    فالسحر في اعتماده قانون التداعي بنسقيه، يقترب من العلم إلى حد الملامسة؛ لكنه سرعان ما يتخذ مساراً بعيداً عنه، حينما يفشل - نظراً لظروفه الموضوعية- في اكتشاف الركائز الأولية التي تمكّن من تطبيق القانون في سياقه الصحيح.
    ولكن، هل يُعد السحر نوعاً من الفنون؟
    هنا نرى أهمية اعتماد التقسيم الذي وضعه فريزر في دراساته للسحر، فقد ميّز بين السحر النظري الذي اعتبره علماً زائفاً، والسحر العملي كونه فناً زائفاً؛ لكنه في إطار هذا الأخير، وجد نوعين من السحر هما: السحر الإيجابي، ويتمثّل في الطقوس التي تؤدى في مناسبات معينة، والسحر السلبي أو التابو، الذي قوامه تجنب الضرر الآتي من أشياء محددة عبر تجنبها هي بالذات .

    2-السحر والعلم:

    قد يُعتقد لأول وهلة أن السحر يتناقض مع العلم، وذلك باعتباره يدخل في دائرة اللامعقول؛ في حين أن المعقولية هي أساس العلم. لكن التدقيق في المسألة، والسعي بغية التعرف إلى المبادئ التي يقوم عليها كل من السحر والعلم، يبينان - كما أسلفنا- أن السحر يشترك مع العلم في الكثير من الخصائص، لكنه مع ذلك يتمايز عنه من جهة كونه يستخدم المبادئ نفسها التي يعتمدها العلم استخداماً مغلوطاً، الأمر الذي جعله علماً زائفاً إذا صح التعبير.
    فالعلم في أساسه " هو شكل لمعرفة الواقع معرفة منتظمة منهجية، ينبثق ويتطور على أساس الممارسة الاجتماعية التاريخية، ويعكس قوانين العالم الموضوعي وجوانبه الجوهرية في شكل منطقي مجرد من المفاهيم والمقولات والقوانين" . وتشترك سائر العلوم الجزئية في كون "المنطق أساسها جميعاً"، وهذا معناه "أن العلم ينتهي حيث ينتهي المنطق وأن كل ما لا يتسق مع المنطق، خارج على العلم" .
    أما السحر، فهو الآخر يعتمد نوعاً من المنطق، لكنه مغلوط، "لأنه يقوم على علاقات عارضة تطرأ ثم لا تلبث- عند التمحيص- أن تبدو لنا غير موجودة في الحقيقة" ؛ فقانون التشابه يؤخذ هنا بحرفيته؛ وكذلك قانون التجاور أو الملامسة، والعيب كما نعلم ليس في الإقرار بالقانونين من حيث المبدأ، إنما في التطبيق الساذج لهما، والاعتقاد بكونهما يشملان مجالات تخرج عن نطاقهما أصلاً. وقد تنبه كلود ليفي شتروس إلى هذه المسألة؛ فبيّّن أن الخلاف الرئيس بين السحر والعلم "هو في أن السحر يقول بحتمية شاملة تامة فيما يعمل العلم مميزاً بين المراتب وهي مراتب يخضع بعضها لأشكال من الحتمية لا تنطبق على مراتب أخرى" .
    فالعلم مثلاً، يأخذ بقانون التشابه، وخلاصته أن المقدمات المتشابهة نفسها، تؤدي إلى النتائج المتشابهة نفسها، في الظروف ذاتها. وقد تم التوصل إلى هذه الحقيقة بعد خبرة طويلة اكتسبها الإنسان عبر التاريخ. أما السحر، فقد أقرّ بفكرة هذا القانون، إلا أنه استخدم مبدأ التشابه في اطلاقيته؛ بمعنى أن مجرد التشابه يؤدي إلى تكرار النتائج عينها، بغض النظر عن المستويات أو المراتب المختلفة التي يشملها المبدأ المشار إليه؛ فالشبه القائم على سبيل المثال بين الخصبين الجنسي والطبيعي، يدفع بالذهنية السحرية نحو الاعتقاد بأن الأول يؤدي إلى الثاني أو العكس. وفي الوقت نفسه يلاحظ أن السحر يشارك العلم في انطلاقه من علاقة الكل مع أجزائه، لكنه لا يستوعبها تماماً مثلما يفعل العلم، الذي ينظر إلى الجزء على أنه ينتمي إلى الكل، ما دام يدخل في جملة علاقات مع الأجزاء الأخرى في إطار البنية العامة التي تشكل كيان الكل، وانه بمجرد خروجه عن نطاق تلك العلاقات، يفقد مشروعية اعتباره جزءاً من الكل ذاك.
    أما السحر، فهو يعتبر أن الجزء يبقى على صلة حقيقية مع الكل الذي كان ينتمي إليه، بصرف النظر عن ابتعاده عنه في الزمان أو المكان. ومن هنا يأتي اعتقاد الساحر أن بإمكانه إلحاق الأذى بأحدهم حينما يقوم بإحراق قطعة من ثيابه، أو شعرة تحصه، أو ما شابه، وذلك على الرغم من كون ذاك الشخص في مكان بعيد، لا يدري ولا يبالي بما يدبر له من مكائد سحرية.
    وعلى الرغم من هذا الخلاف، نرى أن السحر أقرب إلى العلم منه إلى الأسطورة أو الدين. فهو مثله يسلّم "بأن أحداث الطبيعة تتحدد ليس تبعاً لرغبات أو نزوات الكائنات الشخصية، بل تبعاً للقوانين الثابتة الصارمة التي تعمل بطريقة آلية، وإن كان هذا المبدأ يوجد بطريقة ضمنية فقط في السحر بينما هو صريح وواضح في العلم" ؛ ولعل هذا ما يفسر إلى حدٍ ما العداء القديم الذي يكّنه الدين للسحر، بفعل انطلاق الأول من مفهوم المعجزة، في حين أن الثاني يصرّ على أن الحتمية مبدأ شامل يسود جميع الظواهر.

    3- السحر والعلم في بلاد ما بين النهرين:

    تميّزت حضارات بلاد مابين النهرين، بدءاً من حضارة السومريين، وانتهاء بحضارة الكلدانيين، مروراً بالمراحل الأكادية والبابلية والآشورية، بطابعها العلمي؛ وقد حققت هذه الحضارات انجازات عظيمة على صعيد مختلف العلوم الطبيعية، التي غلبت عليها السمة التجريبية العملية، نظراً لارتباطها بالحاجات الإنسانية الدنيوية المتنامية. وقد تمكن علماء بلاد ما بين النهرين في مختلف الميادين من تقديم إنتاج معرفي معترف به؛ ونشير في هذا المجال إلى ما ذكره كريمر حول أقدم كتاب موجز في الطب معروف لدى الإنسان، وهو عبارة عن اثنتي عشرة وصفة طبية، جمعها طبيب سومري "اسمه غير معروف وعاش في نهاية الألف الثالث ق. م." ، "أما الأدوية التي ذكر وصفاتها ذلك الطبيب فكانت على ضربين: إما أنها تستعمل بهيئة مراهم أو بهيئة قطرات. وتستعمل إما استعمالاً خارجياً أو استعمالاً داخلياً بهيئة سوائل" ؛ ويلفت كريمر الانتباه إلى أن "الأمر الجدير بالملاحظة هو أن الطبيب الذي دوّن هذه الوثيقة لم يعتمد على التعاويذ والرقى السحرية. فلم يرد فيها ذكر لأي إله أو شيطان في جميع نصوصها" .
    أما في الرياضيات، فقد توصل العلماء البابليون، والسومريون من قبلهم، إلى استخدام الطريقة الستينية أساساً للعد ، كما اعتمدوا مبدأ "المرتبة العددية أي تحديد قيمة العدد بالنسبة إلى مرتبته من الأعداد الأخرى) كما في النظام العددي الحديث" .
    ومن أهم ابتكارات العلماء البابليين في ميدان الرياضيات، وضعهم الجداول الرياضية، التي مكّنت الرياضيين"من توفير الجهد والوقت في الحساب ومن الانصراف إلى القضايا الرياضية" ؛ كما ان من انجازاتهم، استخدام الطرق الجبرية في حل المسائل الهندسية، وقد اكتشفت ألواح رياضية في تل حرمل، تلقي الضوء على الكثير من الابتكارات التي توصل اليها الرياضيون في بلاد ما بين النهرين .
    أما في ميدان الفلك، فقد حقق الفلكيون في بلاد ما بين النهرين انجازات هامة نتناولها في دراسة أخرى.
    نستنتج مما تقدّم حقيقة خلاصتها أن المعارف العلمية في بلاد ما بين النهرين كانت تحظى بمكانة مرموقة، قلّ أن حظيت بها في الحضارات القديمة التي عاصرت حضارة بلاد ما بين النهرين؛ ولكن على الرغم من ذلك، كان للمعتقدات السحرية والخرافية أيضاً جمهورها الذي كان يلجأ غليها في سبيل حل مشكلاته، والتخلص من آلامه، وربما كانت الصورة شبيهة إلى حد كبير بواقع المجتمعات الحالية، حيث نجد المشعوذ يمارس مهنته إلى جانب الطبيب المختص؛ بل قد نجد أحياناً من يزاوج في عقله بين رؤية موضوعية علمية، وأخرى ايهامية تلجأ إلى الطقوس السحرية وتتشبث بها؛ وقد نجد من يمارس من جهة نشاطاً يتصل بمجال علمي ما، ويعتقد من جهة ثانية بواقعية أعمال الساحر وقدرته على الإتيان بما يعجز عنه العلم.
    هذه الصورة نفسها، نواجهها في المجتمع الرافدي، وفي العديد من المجتمعات القديمة. فقد كان السحر يمارس من قبل الناس في بلاد ما بين النهرين بأشكال مختلفة عدة، أهما الرقى والتعاويذ التي كانت توضع لإبعاد الأمراض، ورد اللصوص، ومقارعة الشياطين؛ وذلك لاعتقاد بعض الناس في ذلك الحين بأن الآلهة وحدها لا تستطيع إنقاذهم من براثن العفاريت والشياطين، الذين كانوا - وفق اعتقاد أولئك- يلحقون بهم الأذى، فلم يكن هناك من مفر سوى اللجوء إلى السحرة الذين كان في استطاعتهم اكتشاف الأسرار ومعالجتها بما يلزم. لكن القانون كان بالمرصاد لهؤلاء الناس؛ وكانت العقوبات قاسية في هذا المجال. فقد ورد في قانون حمورابي حول هذا الموضوع ما يلي: "إذا اتهم رجل آخر بالسحر ولم يستطع إقامة الدليل اختبر بامتحان النهر فيرمي نفسه فيه، فإن غلبه النهر على أمره، استولى خصمه على ضيعته وان أظهر النهر أنه بريء وخرج سالماً فإن المدعي يُقتل ويأخذ المعتدى عليه ضيعته" . أما القوانين الآشورية الوسيطة - حوالي منتصف الألف الثاني ق. م.- فقد جاء فيها بخصوص السحر ما يلي: "إذا صنع رجل أو امرأة تجهيزات سحرية وضبطت في يده وثبتت عليه التهمة يعاقب صانع التجهيزات بالموت" .
    هذا بالنسبة إلى السحر الذي كان يمارس على مستوى الأشخاص؛ أما السحر الذي كان يمارس على مستوى المجتمع ككل، فقد كان يقوم به الكهنة، وأحياناً يشاركهم الملك، في سبيل الحفاظ على الخصوبة الجنسية والطبيعية، وضبط الأمور، وتنظيم الحياة الاجتماعية. وما طقوس الزواج المقدس، والاحتفالات التي كانت تقام بمناسبة عيد رأس السنة البابلية (الأكيتو) ، ما كل ذلك سوى مجموعة طقوس سحرية أسدل عليها ستار من القداسة، فتحولت إلى جزء من الطقوس الدينية، تمارس في مواسم معينة، ويراعى فيها جملة من التقييدات التي كانت تؤخذ بحرفيتها.
    ما نستنتجه من كل ما تقدم هو أن السحر كان له من البداية نفوذ وهيمنة شبه شاملة، إلا أنه في عهود لاحقة فقد جزءاً كبيراً من سلطانه لصالح العلم الذي استطاع أن يفرض ذاته، ويسهم بقوة في خلخلة الذهنية السحرية، لكنه لم يتمكن من القضاء عليها نهائياً، وذلك بفعل عوامل عدة أبرزها الجهل، وعدم القدرة على استيعاب الإنتاج العلمي والاستفادة منه كما ينبغي؛ والازدواجية الذهنية، بالإضافة إلى عدم تمكّن العلم من حسم الكثير من المسائل الكبرى والصغرى في العالمين الطبيعي والإنساني. وإلى جانب كل ذلك، لا بد من الالتفات إلى السحر الذي يتميّز به السحر؛ ونعني بذلك القدرة الجاذبة التي تمتلكها الطقوس السحرية، وتستطيع بفضلها شد الاهتمام والسيطرة على المدارك، خاصة إذا وضعنا في اعتبارنا رغبة أوساط واسعة من سائر المجتمعات الإنسانية في بذل أقل ما يمكن من الجهد، والحصول في المقابل على كل ما تطلبه النفس، ولعل فكرة الفردوس المفقود التي تثير مشاعرنا جميعاً بهذه الدرجة أو تلك، وتسبب لنا الحسرة، تفسر بصيغة ما الفكرة المعنية هنا.

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 16, 2017 7:05 pm